مشروع مطار بنينة في ضواحى بنغازي فبراير 2011

جون مكناب
مهندس مدني
بنعازي، ليبيا

في 28 من ديسمبرسنة 2010 كنت مسافرا من تونس عائدا إلى بنغازي، بعد قضاء عطلة قصيرة لمواصلة العمل في المحطة الجديدة في مطار بنينة. وقد بدأنا فى بناء هذا المشروع منذ عام 2009 وكان من المفترض إنهاء المهمة فى موعدها بحلول نهاية العام 2011. كانت الانتفاضة في تونس قد اشتعلت و تكتسب الزخم بشكل مستمر والمزاج بين العمال التونسيين كان متفائلا على الرغم من أنني أقدر الشعور الكامن وراء مصدر قلق عائلاتهم في الوطن. وفي 14 من يناير ، هرب زين العابدين بن علي من تونس وبدأ الاحتفال في الأوساط المختلفة بين التونسيين في بنينة كما هو الحال فى تونس.
فى 17 يناير : الزعيم الليبي معمر القذافي يقول إنه يأسف لسقوط بن علي ، الذي غادر البلاد في “فوضى لا نهاية لها في الافق”. وعندما بدأت الاحتجاجات في مصر بدأت القوات الجوية الليبية ترسل مهمات استطلاع جوية يومية من مطار بنينة إلى منطقة الحدود. حتى هذه اللحظة لم يكن أحد يتصورإمكانية إنتشار عدوى الاحتجاجات في ليبيا، كما كنا موقنين بأن القذافي سيضرب بيد من حديد،من الصعب جدا على أي مجموعة الإنشقاق في صفوف السكان وخصوصا في شرق ليبيا. مرت الأيام والثورة في مصر سلمية في معظمها ولا يزال يحدونا الأمل بأن مبارك سيفعل الشيء الصحيح ويتنحي وهو ما فعله في 11 فبراير ، 2011. وكنا لا تفارق تفكيرنا أن ليبيا أصبحت مركزاً خاملاً بين الثورتين ولم نستطع أن نتصور إمكانية اندلاع الانتفاضة الليبية ضد نظام القذافي. كيف كنا على خطأ! تعطلت خدمة الإنترنت لذلك لم نتمكن من الحصول على أي خبر حول ما كان يحدث في شوارع بنغازي.

فى 18 فبراير : الموظف الفلبيني بمكتبنا تلقى رسالة من زوجته التي تعمل في إحدى مدارس بنغازي أخبرته أنه تم إطلاق النار على طبيب في عيادة مجاورة لهم فأردوه قتيلا الأمر الذى جعل الممرضين و الممرضات الفلبينيين خائفين جداً وتوقفوا عن مواصلة العمل. كان هناك أيضا من يقول أن هناك مرتزقة يجوبون الشوارع ويقتلون المتظاهرين العزل.

فى 19 فبراير : كنا على علم بأن بنغازي كانت في حالة من الفوضى وبعد ظهر اليوم الأول شوهدت طائرة حربية روسية تحلق على ارتفاع منخفض الى الغرب من مطار بنينة تطلق النار على اهداف. وفي وقت لاحق بعد
ظهر ذلك اليوم، قيل لي من قبل موظف SNC(إس إن سي) الذي كان عند بوابة القادمين في المطار أن حمولة طائرة من المرتزقة الأفارقة هبطت. قمنا بإنشاء أداة مسح للحصول على نظرة فاحصة على ما كان يحدث في جميع أنحاء المطار. استطعت أن أرى قوة كبيرة من الجنود حوالى 200 أو يزيد في تشكيلات دفاعية حول الجانب الغربي من المدرج. لم نكن نعرف ما إذا كان هؤلاء من الجنود المرتزقة أو من الحكومة الليبية. هبطت ثلاث طائرات في بنينة في فترة ما بعد الظهر إحداها تركية ، والأخرى ليبية (الأفريقية) ، بالاضافة الى طائرة نقل روسية كبيرة لا تحمل علامات حملت عشرات من الركاب خارج ليبيا. كانت الأربع طائرات الميغ المقاتلة التي قاعدتها بنينة قد اقلعت كالمعتاد في صباح ذلك اليوم لكنها أبدا لم تعد إلى قواعدها. اثنان من الطائرات روسية الصنع تقوم بدوريات نشطة فى بنغازي والمنشآت العسكرية المحيطة. قررنا ان الوقت قد حان للتراجع مرة أخرى إلى المعسكر لأسباب تتعلق بالسلامة. كان هناك الكثير من الدخان يرتفع الى الغرب من المطار حيث ركزت الطائرات الحربية هجومها. قبل العشاء شاهدنا طائرة كبيرة تحاول الهبوط مع تشغيل المصابيح المضاءة. فتح الجنود النار في المطار مع وابل كبير من المدافع الرشاشة والطائرة انحرفت بعيدا الى الشمال واختفت. بعد العشاء ذهبت مع أحد الزملاء للمكتب الرئيسي لل (إس إن سي) SNC لنرى ما اذا كان يمكن الاتصال بالإنترنت. وكانت السلطات الليبية قد قطعت الانترنت والهاتف والتغطية الخلوية ، وحتى الأسبوع الماضي كان الإتصال مع العالم الخارجي فقط عبر الإنترنت مباشرة من خلال مكتب تونس لدينا. وكنت قادرا على تسجيل الدخول للانترنت وأرسل عدة رسائل و كان زميلي قادراً على الاتصال بإبنه في قبرص ، والذي حدث أنه كان عضوا في (ساس) SAS ، وأعطانا الإحداثيات. وكانت رسائلنا هذه هى المشاركة الأخيرة عبر أجهزة الكمبيوتر المكتبية. كنا نسمع إطلاق نيران مستمر لرشاشات في المطار على مسافة كلم تقريبا. لاحظت دبابة قادمة من الطريق السريع قرب نهاية محيط المطار. عندما غادرنا المكتب كان هناك قافلة من الشاحنات قادمة نحونا وقد لاحظنا حمولتها من المدافع الرشاشة وAK47s. أسرعنا فى العودة الى المجمع حيث كان هناك الكثير من الموظفين التايلنديين والفلبينيين قد تجمعوا. فجأة كان هناك موجة من اطلاق النارو إنتشر الجميع. أخبرنا الجميع بأن عليهم العودة الى مقطوراتهم والابتعاد عن الانظار. ثم شرع مجموعة من الغزاة بنهب مكاتبنا كل شيء بما في ذلك مئات من أجهزة الكمبيوتر ، والأثاث ، وجميع الشاحنات التى لدينا ، والمعدات الثقيلة والحافلات. هوجم مكتبنا الرئيسي في قنفوده وأحرق كل ما فيه سوى بالأرض مما أضطر موظفينا الى الإنتقال بالحافلة إلى بنينة بحثا عن مأوى. وقد نهب أيضاً كل ما لدينا من مخزون الغذاء ومياه الشرب ترك لنا من الإمدادات كميات محدودة فقط والتى لا تكفى ال + 2500 موظف الموجودين الآن في المخيم. قضينا ليلة وإحتمينا داخل الكبائن و تسنى لنا الاستماع لوابل متواصل من اسلحة رشاشة وAK47s. مع عدم توفر الأمن مما جعل الليلة طويلة بلا نوم.

20 فبراير : كان وقف لإطلاق النار في الساعة الرابعة صباحا، وكنا قادرين على تأكيد أنه لم يصب أحد. استطلعنا ما تبقى من المواد الغذائية، وبدأ توزيع الارز واللحوم مهمة كانت تترك للتايلانديين و الفلبينيين، و بدأوا بطهي الطعام على النيران المكشوفة حول المخيم ، وقدمت لنا الفطائر وأطباق اللحوم بسخاء. أرسلت طائرات قتال القذافي لقصف بنغازي يوم الاحد وكان خوفنا انه قصف للمدرجات. حوصرنا من قبل تشكيلات عسكرية في جنوب شرق البلاد و إلى الشمال الغربي، وربما غيرها من المواقع التي لم نكن على علم بها. كان وراء معسكرنا سلسلة من التلال بها شبكة هائلة من المخابئ تحتوى على الرادارات وجعلنا ذلك في وضع ضعيف للغاية خاصة مع عدم وجود أى غطاء فوق رؤوسنا غير كابينات المعدن التي نسكن بها. بعد ظهر ذلك اليوم جاءت مجموعة من السكان المحليين إلى المخيم ، وعرضوا علينا أن يقدموا الحماية لنا. وكان العديد منهم إما عملوا لشركة لافالين في الماضي، أو عرفوا أشخاصا كانوا يعملون بها ، وقد ذكروا أنهم قد كان التعامل معهم بشكل عادل عندما عملوا لدى الشركة ويريدون تقديم الدعم. وكان هذا التطور مصدر ارتياح كبير بالنسبة لنا حيث سيقومون بالقيام بدوريات في محيط المخيم. كان يوم آخر من اطلاق النار المستمر الذي أبقانا في الداخل، ومرة أخرى استمراطلاق النار طوال الليل.

21 فبراير : كان هناك اطلاق نار دائم حول المطار لكننا تمكنا من الحصول على بعض الراحة. كان التايلاندييون قلقين جدا من الوضع ويريدون التأكد
من أن SNC كانت تعمل على وضع خطة إخلاء حتى يتمكن الجميع من
الخروج. وكان كل ما يمكن أن أفعله أن أؤكد أن مكتب مونتريال كان يعمل على وضع خطة تشتمل على إحضار عدة طائرات نقل من أوروبا التي من شأنها اجلاء الجميع. كان حجر العثرة أمام هذه الخطة أن مدرج المطار تم إغلاقه بواسطة معداتنا الثقيلة لمنع المزيد من المرتزقة من الهبوط. وكان
لدى SNC شخص يتفاوض مع جنرال كان قد فر و انضم الى جانب الثوار،

وكان يوجه دفاعات الثوار لحماية المطار. ونحن سرعان ما أدركنا أنه لن يتم فتح المدرج في أي وقت قريب، وبالتالي مغادرتنا عن طريق مطار بنينة لن يكون خيارا قابلاً للتنفيذ.
22 فبراير : مجموعة عسكرية تقوم بنصب المدافع المضادة للطائرات في المطار ويبدأون بإطلاق النار فوق رؤوسنا في اتجاه المخابئ على الحافة فى المنطقة أعلى موقعنا. كنا نجلس في المطبخ نسمع الطائرات فوق رؤوسنا ومن ثم يتم إسقاط القنابل على مسافة منا. اكتشفنا لاحقاً أن الطيارين أسقطوا قنابل شمال وجنوب المدرج ولكنهم رفضوا تنفيذ الأوامر التى تقتضى تدمير المدارج. كنا نعرف أهمية السيطرة على المطار الأمر الذى أضاف الى مستوى التوتر لدينا. حتى تلك اللحظة كنا قد استهلكنا أكثر الطعام ونتتناول وجبات مع التايلنديين والفلبينيين الذين أمضوا أيامهم فى جمع الحطب وطهي الطعام على نيران فى الهواء الطلق.

23 فبراير: فى هذه الليلة كان الأمن مشغولاً بإجراءات منع المتسللين من الدخول إلى معسكرنا وفي منتصف الليل حاول شخص دخول المقصورة لدينا. هذه الليلة غادرت بنينة أول سبع حافلات محاولة قطع رحلة 700كم إلى الحدود المصرية. من بين الركاب كان هناك كندي وبريطاني . توقفت ثلاث من الحافلات عن العمل حتى قبل مغادرة بنغازي. رفضت الغالبية منا السفر بالحافلة نظرا لطول وخطورة الرحلة في مركبات صيانتها سيئة. كانت الرحلة على ما يبدومرعبة فقد استمرت لمدة يومين أو أكثر بالإضافة إلى الأعطال المستمرة للحافلات وحواجز الطرق، قيل لي لاحقا ان الحافلات لم يكن بها زجاج للنوافذ، وكان الطقس باردا جدا طوال الليل. وقد تم ايقافهم عند حواجز الطرق وعند كل حاجز يصعد فريق من رجال مسلحين يتعاملون مع المسافرين بطريقة استفزازية وفي النهاية فإن جميع العمال الأجانب فى ليبيا هربوا خلال هذه الرحلة الطويلة الى الحدود المصرية حيث استقبلتهم حافلات لتنقلهم إلى الإسكندرية ومن ثم إلى القاهرة ليتم نقلهم بالطائرات إلى أوطانهم.
24 فبراير : في وقت مبكر من ذلك اليوم تلقينا كلمة ان الفرقاطة البريطانية اتش ام اس كمبرلاند ستكون قادمة إلى ميناء بنغازي لتقوم بترحيلنا إلى مالطا. فى هذه الأثناء كان غذاؤنا يتكون بالدرجة الأولى من الأرز وأي شيء آخر يمكن أن نتحصل عليه وكنا فقط حريصين على إخلاء المكان. الطريق بالحافلة الى الميناء كانت تمر بثكنات الجيش المحتلة الآن من قبل المقاتلين من اجل الحرية ويا له من مشهد مدهش. وكانت البوابات مفتوحة وعشرات الاشخاص يدورون حول النقطة المحروسة. لاحظنا الكثير من الكتابات على الجدران الخرسانية والعلم ثلاثي الألوان قد حل محل علم القذافي الأخضر. مررنا بعدة حواجز على الطريق ولكنا عبرنا خلال تلويح الجنود القائمين بالحراسة بأدب. ثم شاهدت أفضل منظر لأيام عدة، شاهدت سفينة كمبرلاند وقد رست في الميناء مع علم الاتحاد يرفرف في النسيم. تم تجهيزها بسرعة، ونحن على السفينة و في غضون ساعة كنا في رحلة ال- 34 ساعة في بحر هائج الى مالطا. جزيل الشكر لطاقم كمبرلاند الذين كانوا على متنها على هذا الترحيب الحار.

كان مبعث ارتياح أن أكون بعيداً عن بنغازي وخلال الايام التالية وصلت إلى مالطا ومنها سافرت إلى ايطاليا وفرنسا وأميركا الشمالية في النهاية.
في أوائل شهر مايو وصلتني رسالة من صديق في جالو، ليبيا ، مشيرا الى انهم تعرضوا لهجوم من قبل المئات من جنود القذافي. كنت اتتبع ليبيا على منتدى الجزيرة الإنجليزية المباشر وللخروج من اليأس اتصلت بمدون معروف لطلب المساعدة لأصدقائي في الصحراء الليبية. فإن الرجال يقومون بإرسال إحداثيات مواقع جنود القذافي عن طريق ال GPS إلىَ ، مع وصف للمنطقة المحيطة بهم ،على سبيل المثال ، “إنهم في حقل نفط الواحة في بستان من أشجار النخيل”. وأقوم بتأكيد الإحداثيات على Google Earth ثم أقوم بإحالتها إلى جهات الاتصال الخاصة بي. عملت هذا بشكل جيد جدا واستمررت به حتى شهريوليو عندما تم صد الهجمات النهائية وتمت استعادة السلام في الواحة الصحراوية.
أتمنى لو أننى كتبتها على أنها قصة بدلاً من كلمات من مذكراتي ولكن هذا امر عادى فمن الصعب أن تضع شعور الخوف الذى كنا نشعر به في كلمات في ذلك الوقت من شهر فبراير، وكذلك من الصعوبة بنفس القدر أن أصف مدي استيائى من عائلة القذافي عن الإضرار بحياة الكثيرين وإجبارنا على الرحيل ، وردة فعلى على التهديدات الكثيرة التى وردت والأرق فى العديد من الليالي وأنا أفكر فى أصدقائى وهم يتعرضون للهجوم. هناك الكثير لأقوله. اقول لبعض الناس ، “لقد كان مثل مشاهدة فيلم… ما عدا أننا كنا ممثلين فيه “.
ما يتمناه جميعنا هو انتقال سلمي إلى الديمقراطية في ليبيا وقريبا آمل في العودة إلى بنينة لإنهاء بناء المطار الجديد الذي هم بأمس الحاجة إليه. وسيكون أيضا من اللطيف جدا أن أرحب فى بنغازي ببعض المدونين الذين قدموا الكثير من الدعم إلى ليبيا.

2 thoughts on “مشروع مطار بنينة في ضواحى بنغازي فبراير 2011

  1. انا كنت من الذين كانوا هناك في شهر فبراير و عشت تلك الايام التى لا تنسى مع زملائي في مطار الينينة نحمد لله اننا رجعنا سالمين الى اوطاننا و نسال الله ان يحفظ ليبيا و اهلها و اشكر اهل بنغازي الذين تعاونو معنا في تلك الايام .

  2. لقد كنت هناك امظيت عشرة ايام دون نوم كان اسؤ كابوس عشته لقد غادرت مطار بنينة بوم26فبراير باتجاه الحدود المصرية وصلت بنا الحافلة يوم27 فبراير في الصباح حيث كانت هناك حافلة في انتضارنا اخذتناا الي الاسكندرية هناك كانت اول ليلة نمت فيها

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>